الجصاص

57

أحكام القرآن

الألباب ) . الآيات التي فيها من جهات : أحدها تعاقب الأعراض المتضادة عليها مع استحالة وجودها عارية منها ، والأعراض محدثة ، وما لم يسبق المحدث فهو محدث . وقد دلت أيضا على أن خالق الأجسام لا يشبهها ، لأن الفاعل لا يشبه فعله . وفيه الدلالة على أن خالقها قادر لا يعجزه شئ ، إذ كان خالقها وخالق الأعراض المضمنة بها وهو قادر على أضدادها ، إذ ما ليس بقادر يستحيل منه الفعل . ويدل على أن فاعلها قديم لم يزل ، لأن صحة وجودها متعلقة بصانع قديم ، لولا ذلك لاحتاج الفاعل إلى فاعل آخر إلى مالا نهاية له . ويدل على أن صانعها عالم من حيث استحال وجود الفعل المتقن المحكم إلا من عالم به قبل أن يفعله . ويدل على أنه حكيم عدل ، لأنه مستغن عن فعل القبيح عالم بقبحه فلا تكون أفعاله إلا عدلا وصوابا . ويدل على أنه لا يشبهها ، لأنه لو أشبهها لم يخل من أن يشبهها من جميع الوجوه أو من بعضها ، فإن أشبهها من جميع الوجوه فهو محدث مثلها ، وإن أشبهها من بعض الوجوه فواجب أن يكون محدثا من ذلك الوجه ، لأن حكم المشبهين واحد من حيث اشتبها فوجب أن يتساويا في حكم الحدوث من ذلك الوجه . ويدل وقوف السماوات والأرض من غير عمد أن ممسكها لا يشبهها ، لاستحالة وقوفها من غير عمد من جسم مثلها . إلى غير ذلك من الدلائل المضمنة بها . ودلالة الليل والنهار على الله تعالى أن الليل والنهار محدثان لوجود كل واحد منهما بعد أن لم يكن موجودا ، ومعلوم أن الأجسام لا تقدر على إيجادها ولا على الزيادة والنقصان فيها ، وقد اقتضيا محدثا من حيث كانا محدثين لاستحالة وجود حادث لا محدث له ، فوجب أن يكون محدثهما ليس بجسم ولا مشبه للأجسام لوجهين ، أحدهما : أن الأجسام لا تقدر على إحداث مثلها ، والثاني : أن المشبه للجسم يجري عليه ما يجري عليه من حكم الحدوث ، فلو كان فاعلهما حادثا لاحتاج إلى محدث ، ثم كذلك يحتاج الثاني إلى الثالث إلى مالا نهاية له ، وذلك محال ، فلا بد من إثبات صانع قديم لا يشبه الأجسام ، والله أعلم . باب فضل الرباط في سبيل الله تعالى قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ) . قال الحسن وقتادة وابن جريج والضحاك : " اصبروا على طاعة الله وصابروا على دينكم وصابروا أعداء الله ورابطوا في سبيل الله " . وقال محمد بن كعب القرظي : " اصبروا على دينكم وصابروا وعدي إياكم ورابطوا أعداءكم " . وقال زيد بن أسلم : " اصبروا على الجهاد وصابروا العدو ورابطوا الخيل عليه " . وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : " ورابطوا بانتظار الصلاة